الصفحة الرئيسية  ثقافة

ثقافة فيلم "الزيارة" لنوفل صاحب الطابع: غازي الزغباني.. صلاح مصباح.. السطمبالي ورحلة البحث عن الهوية

نشر في  07 فيفري 2015  (20:53)

يوسف في الثلاثينات من العمر، يقود الحياة وحيدا. ومأساة عائلية وقعت في طفولته لتصنع منه طفلا يتيما وفاقدا للذاكرة. ولكن لقاءه مع فتاة جذابة وغامضة في منزل غريب يدفعه لمعرفة الماضي وفتح ثغرة على النسيان الذي تملكه. ثم تبدأ رحلة البحث عن الذات وعن الهوية.

هذا هو ملخص الفيلم الطويل "الزيارة" للمخرج التونسي نوفل صاحب الطابع، فيلم من بطولة غازي الزغباني ومنال عبد القوي وصلاح مصدّق ونادية الوالي والمرحوم لطفي الدزيري وكذلك الفنّان صلاح مصباح، ويجسّد غازي الزغباني بطل العمل شخصيّة شابّ يدعى يوسف وهو سائق “تاكسي” يعيش وحيدا في شقة وسط العاصمة.

ويتناول الفيلم موضوع البحث عن الهوية من خلال حياة العذاب التي يخوضها، يوسف، في قطيعته مع الواقع، فيوسف الذي تعرض في صغره الى حادث عائلي أليم فقد على اثره اخته الصغيرة ووالدته يقرر العيش في عالم خاص به قاطعا كل صلة له بالواقع، وفجأة يكتشف اثناء رحلة عمله بيتا عتيقا "دار النور" وسط المدينة العربي يحرك فيه الماضي دون أن يعرف السبب فيقرر النبش في ماضيه من خلال صورا فوتوغرافية، وأثناء زيارته المتكررة للمنزل يتعرف على "عمّ سعد" ويجسد هذه الشخصية الفنان صلاح مصباح والذي يحاول جاهدا اقناع يوسف بأن المنزل مهجور منذ 30 سنة وأن من يسكنه هم "الجنّ" ويحذره من الاقتراب منه لكن دون جدوى.

بين واقع يشوبه الغموض والبحث عن هوية مفقودة وذاكرة منسية، يخلق يوسف عالمه الخاص من خلال صورة فتاة غامضة تقوده هي ايضا الى "دار النور" وهناك يحاول بطل العمل استرجاع بعض الصور من طفولته، فلا يتذكر سوى صورة لأمه وهي تناديه ولرجل يمده بذيل أرنب،

اسئلة تؤرق ذاكرة يوسف ويحاول ايجاد أجوبة لها، حيث يكتشف المشاهد من خلال شخصية يوسف أنّ مجتمعه ينقسم إلى جزأين: جزء واقعي وآخر خيالي أو افتراضي، ولكن في خضم هذا التناقض يصعب التفريق بين ما هو خيالي وحلم وبين ما هو واقعي حقيقي، لذلك بات يوسف في صراع دائم مع ذكرياته التي تطارده .

وبين مطاردة فتاته "الشبح" ومطاردة "عم سعد" علّه يظفر منه باجابات توضح الصورة في مخيلته الضائعة، يدخل يوسف عالم موسيقى السطمبالي عبر الايقاع والرقص وجو معتم وكئيب فتوقظ هذه الموسيقى فيه ذاكرته المثقوبة، إلى أن تصل به لتذكر ظروف الحادثة التي عاشها في صغره.

تتوضح الصورة في مخيلة يوسف المصاب بمرض "الفصام" صورة أخته الصغيرة التي قتلها بخطأ بعد أن ارتكبت والدته فاحشة مع معمرّ ايطالي، وهذه الفعلة جعلت من زوجها "عامر" يقتلها. ولم يتوقف الألم عند هذا الحدّ حيث خير نوفل صاحب الطابع ان ينهي قصة يوسف بمأساة اخرى قد تزيد من مرضه وعذابه حيث قتل يوسف أباه الذي عاش متخفيا عن الأنظار إلى أن ظهر في الأخير وكان مصيره الموت على يد إبنه.

في ساعة ونصف، يزور المتفرج أزقة المدينة العتيقة وشوارع العاصمة ويكتشف كيفية تعامل التونسي مع المعتقدات الشائعة، وايمانه بقدرة "السطمبالي على شفاء الروح عبر الايقاع والرقص، وهنا نشير الى أن فيلم الزيارة يذكرنا والى حدّ كبير بالفيلم الوثائقي الذي انجزه صاحب الطابع منذ 10 سنوات حول السطمبالي في تونس.

ومن ناحية الأداء نشيد بالاداء المقنع والمتميز لغازي الزغباني الذي ساعده وإلى حد كبير تكوينه المسرحي في نحت شخصية يوسف المركبة حيث عبر الزغباني عن ألمه وفرحه وحيرته وبحثه عن المجهول بطريقة مقنعة للغاية، نفس الأمر بالنسبة الى منال عبد القوي التي أقنعت في دور "رندة" المرأة الباحثة عن رجل لتتخلص من مشاكل عمتها وزوجها، وأما المفاجأة فكانت شخصية "عمّ سعد" التي أداها الفنان صالح مصباح فرغم ما اتسمت به هذه الشخصة من بساطة سواء في طريقة الحديث او اللباس الا أنها تمكنت من الولوج في قلب المشاهد حيث لم تكن متصنعة، كما نلاحظ أن صلاح مصباح استغل طاقاته الصوتية وخبرته الموسيقية خلال هذا العمل فرأيناه يغني السطمبالي ويعزف ويرتل القرآن بطريقة تشد الابصار والآذان.

مع سيناريو مكتوب بشكل جيد وأداء متميز للممثلين، كان بامكان المخرج أن يتجنب بعض التمطيط في بعض المشاهد ليكون العمل متكاملا، ولمن أكد اثر مشاهدة الفيلم ان فيلم الزيارة خال من أي رسالة نجيبه بأن هذا الفيلم هو مزيج بين الواقع والخيال.. بين عالم الموسيقى والسطمبالي وهو جزء من ثقافة الزنوج الذين رحلوا عن بلدانهم الإفريقية واستقروا في تونس ليصبحوا جزء منا ونحن جزء منهم وبين عالم الخيال الذي تعكسه قصة يوسف الباحث عن هويته..

يقول المخرج نوفل صاحب الطابع عن فيلمه: "مع هذا الفيلم كنت أرغب في تناول مسألة البحث عن الهوية من خلال حياة العذاب التي يخوضها، يوسف، في قطيعته مع الواقع. في هذه الدراما النفسية، ورحلة البحث عن الهوية يكتشف المشاهد من خلال شخصية يوسف أن مجتمعه ينقسم إلى دولتين الأولى عقلانية والثانية غير منطقية. ولكن هذا التناقض الكبير يجعل مسألة الفصل بين العالمين صعبة ومرهقة. وأنه في هذا الخط الوهمي الرقيق بين العقلانية واللاعقلانية هو نفسه السعي من أجل يوسف الهوية".

ختاما نذكر أن فيلم الزيارة يعرض حاليا بقاعات السينما، وتجدونه في كل من قاعة " أ ب س" بالعاصمة و"الحمراء" وأغوارا" بالمرسى، وبمدار قرطاج.

 
سناء الماجري